المقدمة قال الله تعالى { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } آل عمران آية 185 وقال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَاتُرْجَعُون} [العنكبوت: 57]، وقال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِوَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون} الأنبياء35 . نعم أيها المسلمون كل نفس سوف تموت ، كل الخليقة سوف تموت ، الجن والإنسيموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومةوالبقاء، فيكون آخراً كما كان أوّلاً . نعم أيها المسلمون فإن الأجال مكتوبة ، والأنفاس محسوبه ، والعيش الرغيد لابد له من زوال ، والخلود في الدنيا والله من المحال ، عرف كلًُ انسان بدايته ، وكل يوم هو يفرح بحلوله يقربه لنهايته ، فما هي إلا لحظة لم يحسب لها حساب فإذا هو عداد الموتى ، موت فجائي ، ضحية لحادث مروري ، حريق أو غرق ، أو قد تلم به الأمراض ، فهذا أهلكه السرطان ، وهذا مرض مزمن قد هد منه الأركان ، وحتى لو طال به العمر فإن الهرم بإنتظاره بما للهرم من مواصفات غير محبوبة ، وخاتمة الأمر قال تعالى { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ }ق19 ، وقال تعالى {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِيتَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ }الجمعة8 ( خط النبي صلى الله عليه و سلم خطا مربعا، وخط خطاً في الوسط خارجا منه، وخط خطوطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به ، أوقد أحاط به ، وهذا الذي هو خارج أمله ، وهذه الخطوط الصغار الأعراض ، فإن أخطأه هذا نهشه هذا ، وإن أخطأه هذه نهشه هذا) رواه البخاري . أيها المسلمون وكان السلف يستعدون للموت ويوصون بالإستعداد له ، فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلث الليل قام فقال ( يأيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وقال علي رضي الله عنه (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلتالآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناءالدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل ) رواه البخاري. وقال أبو الدرداء لأهل دمشق (يا أهل دمشق ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيراً، ويبنون شديداً ، ويأملون بعيدا ، فأصبح جمعهم بورا ، وبنيانهم قبوراً ، وأملهم غروراً). وهذا عمر بن عبد العزيز وعظ يوماً أصحابه فكان من كلامه أنه قال :«إذا مررت بهم فنادهم إن كنت منادياً ، وادعهم إن كنت داعياً، ومر بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم .. سل غنيهم ما بقي من غناه؟ .. واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرون .. واسألهم عن الجلود الرقيقة ، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان؟! .. أكلت الألسن، وغفرت الوجوه، ومحيت المحاسن، وكسرت الفقار، وبانت الأعضاء ، ومزقت الأشلاء فأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء ؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة والمال والأهل فيا ساكن القبر غداً ! ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك اليانعة؟ وأين رقاق ثيابك؟وأين طيبك بخورك؟ وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ .. ليت شعري بأي خديك بدأ البلى .. يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت .. ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا ..وما يأتيني به من رسالة ربي .. ثم انصرف رحمة الله فما عاش بعد ذلك إلا جمعة ولربما أجلس عمر بن عبدالعزيز أحدهم أمامه وعلمه كما صنع بعنبسة بن سعيد إذ قال له: يا عنبسة: أكثر من ذكر الموت، فإنك لا تكون في ضيق من أمرك ومعيشتك فتذكر الموت إلا اتسع ذلك عليك، ولا تكون في سرور من أمرك وغبطة فتذكر الموت إلا ضيق ذلك عليك. أيها المسلمون وكان السلف يتصورون حالهم بعد الموت ، و يمثلون لمآلهم ، و يستعدون لمنزلهم ، فهاهو علي رضي الله عنه يقف على القبور فيقول (يا أهل القبور ما الخبر عندكم؟ إن الخبر عندنا أن أموالكم قد قسّمت، وأن بيوتكم قد سكنت، وأن زوجاتكم قد زوجت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم بكى ثم قال: والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى ) وكان الربيع بن خثيم يتجهز لتلك الليلة، ويروى أنه حفر في بيته حفرة فكان إذا وجد في قلبه قسوة دخل فيها، وكان يمثل نفسه أنه قد مات وندم وسأل الرجعة فيقول: [رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ]. {المؤمنون}. ثم يجيب نفسه فيقول : قد رجعت يا ربيع !! فيرى فيه ذلك أياماً ، أي يرى فيه العبادة والاجتهاد والخوف الوجل. ولقد جعل خوفَ سوءِ الخاتمة قلوب السلف وجلة ، راغبة في طاعة الله عز وجل ، يظل أحدهم يعمل بعمل الخائف من ربه الخاشع له ، حتى يأتيه ملكُ الموتِ بإحدى البشريين . بكى أبو هريرة رضي الله عنه عند موته ، و قال : و الله ما أبكي حَزناً على الدًّنيا ، و لا جزعًا من فراقكم و لكن أنتظر إحدى البشريين من ربي ، بجنة أو بنار . وقيل لعطاء السلمي وهو في مرض الموت ، كيف حالك؟ فقال: الموت في عنقي، والقبر في يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي، ثم بكى بكاء شديدا، حتى أغشى عليه، فلما أفاق قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الراحمين. ودخل المزني عند الإمام الشافعي، في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت عن الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا وعلى ربي ـ سبحانه وتعالى ـ واردا، ولا أدري أروحي صائرة إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها.
ولمااحتُضر عامر بن عبد الله بكى وقال:" لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إنيأستغفرك من تقصيري وتفريطي وأتوب إليك من جميع ذنوبي، لا إله إلا أنت، ثم لم يزليرددها حتى مات رحمه الله وكان يزيد الرقاشي يقول لنفسه : «ويحك يا يزيد ! من ذا يصلي عنك بعد الموت ؟ من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ من ذا يترضى عنك بعد الموت؟ ثم يقول : أيها الناس ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم .. من الموت موعده .. والقبر بيته .. والثرى فراشه .. والدود أنيسه .. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر .. كيف يكون حاله ؟! ثم بكي رحمه الله . قالالأعمش: كنا نشهد الجنازة ولا ندري من المُعَزى فيها لكثرة الباكين وإنما كانبكاؤهم على أنفسهم لا على الميت. أيها المسلمون إن الموت حقيقة يعترف بها الجميع ، ويعلمون ذلك علم اليقين ، وكلً يعلم أن نهايته الموت ، ولكن أعمالنا تنافي ذلك اليقين ، آمال عريضة ، وأهواء منحرفة ، بسطت علينا الدنيا ، فتنافسا على جمع المال من حل ومن غير حل ، تنافسنا على متاع الدنيا ، نسينا الموت ودواعي عدم النسيان بين أعيننا صباح ومساء ، فحديث المجتمع لايخلو من أخبار الموت ، وأجهزة الإعلام بأنواعها لاتخلو من أخبار الموت ، سابقاً دفنا الآباء ، ونشارك في دفن المسلمين ، ندفن القريب والأخ والابن والصديق ، وما هي إلا لحظات من التأثر لا نحدث النفوس فيها بالتوبة ، ثم نرجع إلى الغفلة .
فاحذروا من الغفلة وعالجوا القلوب بذكر الموت وهذه هي وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ( أكثروا من ذكر هاذم اللذات ، يعني الموت ) رواه الترمذي،وقال: حديث حسن .
واستعدوا عباد الله لنزول الموت قبل أنيحال بينكم وبين العمل ، وها هو القعقاع بن حكيم يقول: قد استعددت للموت منذ ثلاثينسنة !، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء، واحْتُضِر بعض الصالحين فبكت امرأته، فقال: ما يبكيكِ ؟ قالت: عليكأبكي، قال: إن كنت باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيت على هذا اليوم منذأربعين سنة.
أقول هذا القول واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم . الخطبة الثانية المقدمة أيها المسلمون إن الدنيا ليست بدار قراركم ، كتب الله عليها الفناء وكتب على أهلها منها الرحيل ، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب ، وكم من قيم مغتبط عما قليل يظعن ، فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى قالالخليفة عبد الملك بن مروان في مرض موته: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يادنيا ما أطيبك: إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا بِك لفي غرور" وقيل له فيمرض موته: كيف تجدك؟ فقال:" أجدني كما قال الله جل وعلا: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَافُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْوَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } الأنعام:94. نعم أيها المسلم دخلت إلى هذه الدنيا وحيداً وسوف تخرج منها وحيداً ، سوف ينقلك الموت إلى أول منازل الآخرة ، لن يستطيع مالك ولا ولدك ولا حراسك لملك الموت دفعاً ( فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 87 ) )الواقعة .
آخر تعديل بواسطة عبدالله الحبيب العنزي ، 01-28-2010 الساعة 08:39 PM