ثلاثة أمور لا تغفلوا عنها
المقدمة
عباد الله علم كلٌ منا وقت ولادته ولكن لا نعلم متى يحل بنا هاذم اللذات وينزل بنا حادي الموت وتجذب الروح من ذلك الجسد الذي طالما تقلب في هذه الدنيا ، سعى في مناكبها ، وتلذذ بنعيمها الزائل ، أعطى ومنع ، كانت له صولات وجولات ، نودي بإسمه ، وأجاب بصوته ، كما سمعنا من صوتٍ يتردد بخبر أو يضحك من موقف أو يبكي لمصيبة أو يدعو لخير ، أو فلنقل ينقل نميمة ويغتاب مسلم أو يثير فتنة ، وأصبح بين عشية وضحاها رهين عمله في قبره وحيداً ، يعيش بين أمرين لا ثالث لهما إما في روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ، فمسكين من غره طول الأمل ، وظلم بما ملك من مال أو ولي من عمل .
عباد الله أما آن أن ننتبه من غفلتنا ، ونتسيقظ من رقدتنا ، قبل أن نستقيظ من حلم الدنيا على حقيقة السكرات والبرزخ ، دفنا أباءنا ، دفنا إخواننا ، دفنا إقربائنا ، دفنا أصدقائنا ، دفنا زملاءنا ، دفنا من أبنائنا ، وسيدفننا غيرنا في موكب تشييع لا ندري متى يكون ، قال الله عز وجلكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) [الرحمن:26] وقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
نعم أيها المسلمون إنه الموت الحقيقة التي ننتظرها ، ذلك الأمر الواقع لا محال ، وخير معين للإعداد لمثل هذه الحقيقة وهذا الأمر الذي كتبه الله عزوجل على كل نفس أن لا نغفل عن ثلاثة أمور :
الأمر الأول : الإعداد لحسن الخاتمة ، ويكون ذلك بتحقيق كمالِ توقي المرء عما يضره يوم القيامة بأن يجعل بينه، وبين عذاب الله تعالى وقاية وذلك بفعل المأمورات التي تستوجب رضا الله تعالى وثوابه، واجتناب المنهيات التي تجلب غضب الله تعالى وعقابه ، فالذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عندالموت مع خذلان الشيطان له، وإذا اجتمع الخذلان مع ضعف الإيمان، وقعت سوءالخاتمة، قال الله تعالى {وكان الشيطان للإنسان خذولاً}.
الأمر الثاني : الحرص على إبراء الذمة من مظالم الناس ، فالله تعالى قد يغفر الحقوق التي بينه وبين الناس وأما حقوق العباد بينهم فلا تغفر ، ولذلك أوصي النبي صلى الله عليه وسلم أمته بإبراء الذمة فقال (من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) البخاري ، وبين عليه الصلاة والسلام آثر عدم إبراء الذمة في حديث المفلس في صحيح مسلم فقال (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).
الأمر الثالث : الحرص على جريان الأعمال الصالحة بعد الموت ، ويكون ذلك بالصدقة الجارية وهي ما تسمى بالأوقاف , وذلك أن يحبس الأصل وتسبل منفعته، ومن الصدقة الجارية ما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته :من عَلّم علماً, أو أجرى نهراً , أو حفر بئراً , أو غرس نخلاً , أو بنى مسجداً , أو ورّث مصحفاً , أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته ) [ حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم :3596].
أولاً : والمراد بالعلم النافع الذي يبصر الناس بدينهم , ويعرفهم بربهم ومعبودهم ,ويبين لهم طريق السنة ويحذرهم من الفرقة والبدعة ، ومن ساهم في طباعة الكتب النافعة , ونشر المؤلفات المفيدة , وتوزيع الأشرطة الشرعية فله حظ وافر من ذلك الأجر إن شاء الله .
ثانياً : واجراءُ النهر , المراد شق جداول الماء من العيون والأنهار لكي تصل المياه إلى أماكن الناس ومزارعهم , ويلتحق بهذا مد الماء عبر الأنابيب إلى أماكن الناس , وكذلك وضع برادات الماء في طرقهم ومواطن حاجاتهم .
ثالثاً : وحفر الآبار مما يجري أجره بعد الموت .
رابعاً : وغرس النخل وتسبيل ثمره للمسلمين يجري أجره كلما طعم من ثمره طاعم , وكلما انتفع بنخله منتفع من إنسان ٍأو حيوان .
خامساً : وبناء المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله , والتي أذن الله جلا وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه , وإذا بُني المسجد أقيمت فيه الصلاة , وتُلي فيه القرآن , وذكر فيه الله , ونشر فيه العلم , واجتمع فيه المسلمون , إلى غير ذلك من المصالح العظيمة , ولبانيه أجرٌ في ذلك كلِّه , وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة " متفق عليه .
سادساً : توريث المصحف , وذلك يكون بطباعة المصاحف أو شرائها ووقفها في المساجد , ودور العلم حتى يستفيد منها المسلمون , ولواقفها أجرٌ عظيم ٌ كلما تلا في ذلك المصحف تالٍ , وكلما تدبر فيه متدبر , وكلما عمل بما فيه عامل .
سابعاً : تربية الأبناء , وحسن تأديبهم , والحرص على تنشأتهم على التقوى والصلاح , حتى يكونوا أبناء بررة ً وأولاد صالحين , فيدعون لأبويهم بالخير , ويسألون الله لهما الرحمة والمغفرة , فإن هذا مما ينتفع به الميت في قبره ..
عباد الله إنها أعمال يجري أجرها للعبد بعد الممات إذا قام بها العبد في حياته ، وكم منع الشح من مثل هذه الأعمال النافعة بعد الموت ، وإنما مالك أيها العبد ما قدمت ومال وارثك ما أخرت .
أيها المسلمون ، إن من أعد للخروج من الدنيا العدة ، وتجهز لليقظة من الرقدة ، فلا بد أن يتحقق من توفير أمور ثلاثة ، حسن الخاتمة ، وإبراء الذمة ، وعمل صالح يستمر لكم بعد الموت .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.